Friday, 16 September 2011

قــــــراءات

تشكيل الحــيز المعــمارى فى عصر المــماليك: التعبير ودلالته (2)
 (مراجـعة)

Howayda al-Harithy, 2001. The Concept of Space in Mamluk Architecture. Moqarnas Vol. XVIII. http://ArchNet.org/library.


نشأت المجمــعات الحضرية فى عصر الممــاليك على برنامج دينى اجتـماعى يتركز حول العلاقات الجمــاهيرية وله اهداف ثقافية واجتمــاعية وسياسية يعكسها التـصور المعمارى . اضـــافة الى وظائفـه الدينية والتعليــمية صـــار للمبنى رســالة بصرية تعكس مضـمون التصور المعـــمارى ويعبر عنها الشكل المعـــــــمارى . من افضل ما قرأت فى تفـــــسير دلالة الحــيز الحضـــرى فى عمــــارة الممـاليك ما كتبته Howydah al-Harithy فى مقال لهـا بعــــنوان : ''The Concept of Space in Mamluk Architecture'' .
هناك مجموهة من العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية تكون فى مجموعها التصور المعمارى الذى يمثله الشكل المعمارى بمعناه العريض الذى يشمل البـــناء التشكيلى كله بما فيه الحيزات المعــــمارية والحيزات الحضرية فى المحيط المــــباشر . يتطلب فهم دلالة ما تمثله الحيزات المعمارية ايجاد علاقة بين شكل الحيزات ، واسلوب تجميعها وحركة المناشط فيها . تعتمد هذه العلاقة على دراسة اثر العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية الدافعة لابتكار تلك الحيزات ، والمحددة لشكلها واسلوب تجميعها ، والمحركة للمناشط فيها . يتعرض مقال  al-Harithy بالتحليل لاثر هذه العوامل على شكل الحيزات واسلوب تجميعها واتجاهات الحركة فيها ، وتستعين بذلك على توضيح اسلوب الحيزات المعمارية والحضرية فى التعبير عن فلسفة التصور المعمارى . كتب المقال باسلوب انسيابى لا يتوقف عند حدود اقسام معينة او عناوين جانبية تعين الدارس على تتبع التحليل بسهولة ، ولكنه فى ذات الوقت اسلوب يشبه السرد القصصى و لا يخلو من المتعة  للقارىء . تقول الكاتبة:
" أن تعددية وظائف المجمع الحضرى وموقع الضريح فى قلب المدينة هما العنصرين الاساسيين فى سيناريو ابداع الحيز المعمارى .  بالنظر الى مواقعها فى قلب المدينة بكل ما فيها من حياة ، ووظائفها المتعددة صارت المجمعات الحضرية ساحات للعلاقات الاجتماعبة المكثفة . فيها يتم الاتصال واللقاء بين مختلف الفئات الاجتماعية من الطلاب والشيوخ والتجار واصحاب الحاجات والنخب من العسكريين المماليك ."

كان من الطبيعى ان يؤدى تدفق العلاقات الاجتماعية فى المجمع الحضرى على هذا النحو الى تولد تيار من الحركة بين المبنى وجواره الحضرى ، فتنشأ بينهما علاقة متبادلة فى اتجاهين: الاول ، نحو الداخل وهو تأثير الحركة فى الشارع على وظائف المبنى داخليا ؛ والثانى ، باتجاه الخارج، وهو تأثير المبنى نفسه على الحيز العام . تبرز اهمية هذه العلاقة المزدوجة فى اثرها على شكل الحيزات الداخلية والخارجية واسلوب تجميعها . ينظر هذا الجزء الى العلاقات الوظيفية وحركة المناشط ويتتبع اثرها فى ربط الحيزات الداخلية والخارجية وفى العلاقة العضوية والبصرية المتداخلة بينهما .
" نتيجة لتعدد وظائف المجمع الحضرى ، اصبح الحيز المعمارى الداخلى امتدادا للحيز العـام فى الشارع ، بينـما يبرز الضريح الى الخارج ويحقق اكبر قدر من الظهور فى الحيز العـام والتفاعل معه . وادى هذا التفاعل الوظيفى بين المبنى وجواره الحضرى الى توحد الحيزات فيهما فى وحدة تشكيلية واحدة ."
ادى التفاعل الوظيفى بين المبنى وجواره الحضرى الى ابعد من مجرد دمج الحيزات فى وحدة تشكيلية واحدة فقط ، بل تعدى ذلك ليشمل توحد الواجهات الداخلية والخارجية ايضا . نسبة لطبيعة مواقع المجمع الحضرى فى قلب القاهرة فى العصور الوسطى والقيود التى تفرضها على التصميم كان الخيار المتاح هو اللجوء الى المخطط المفتوح الى الداخل واستخدام صيغة الفناء فى بناء المجمعات الحضرية . الملاحظ ان المعمارى فى عصر المماليك اتبع تقاليد كانت سائدة من قبل فى التعامل مع الواجهات الداخلية . كان الاهتمام فى المبانى السكنية منذ العصور الاسلامية المبكرة بالواجهات الداخلية المطلة على الفناء اكثر من الواجهات المطلة على الشارع ، وذلك ضمن استراتيجية فصل الداخل فصلا تاما عن الشارع لدواعى الخصوصية . فى مجمعات المماليك الحضرية صار التوجه نحو التعامل مع الواجهات الداخلية المطلة على الفناء باعتبارها ليس فقط امتدادا للواجهات الحضرية بالخارج ، بل جزء اساسيا فى البناء التشكيلى للمجمع الحضرى .

المعروف ان وظائف المبنى هى المحدد الرئيسى للشكل المعمارى .  فى العمارة الاسلامية ليست الوظائف العادية  المتعلقة بالمناشط الاجتماعية مثل التعليم والعبادة وغيرها فقط هى المسئول عن تحديد الشكل المعمارى ، بل ان وظيفة  التعبير عما تمثله الحيزات المعمارية ، التصور المعمارى ، يلعب دورا اساسيافى تحديد شكل تلك الحيزات .
سـاد فى عصر المماليك اشــــكالا متنوعة من الحيزات مهـمتها ، الى جانب الربط بين الاجزاء ، ان تبعث برســـالة بصرية تعبر عن مضــــــمون التصور المعــمارى . اول هذا النوع من الحيزات هو  ما تسميه al-Harithy "الجيب الحضرى" وهو عبارة عن تغير فى مجرى الشارع المحدود يحدث فيه اتساعا يقع بين ضفتى المبانى على جانبى الطريق يواصل الشارع بعدها مساره من جديد . لم يكن الشارع فى المدن الاسلامية فى العصور الوسطى مستقيما بل كان مألوفا ان يعترض مسارة انحناء طارئا يغير اتجاهه وشكله واتساعه . الجيب الحضرى الذى يعترض شارع المعز عندما يمر بموقع مجمع قلاوون مثل ذلك وهو احد وسائط التعبير فى عمارة المماليك ، من اغراضه توجيه الحركة نحو المدخل الرئيسى و تهيئة حيزا مناسبا للتواصل الاجتماعى .
الجيب الحضرى الذى تشكل امام مجمع قلاوون عبارة عن ساحة صغيرة " ...تكتسب خصائصها الحضرية من البناء التشكيلى على ضفتيها ومن تعبير واجهات مجمع قلاوون على جانب من الشارع وواجهة المدرسة الصالحية المقابلة لها على الجانب الآخر ، وتكتسب خصوصيتها من احتوائها بين هذين الصرحين التذكاريين ." 

لم تكن الواجهة فى عمارة المماليك مجرد غلاف للمساحات الداخلية بل جزء لا يتجزء من ابداع البناء التشكيلى . هناك علاقة قوية بين واجهة المجمع الحضرى فى عصر المماليك التى تستمد خصائصها المتميزة من طبيعة هذه المبانى ذات الوظائف العامة المتنوعة ، ومواقعها فى قلب القاهرة الفاطمية بكل ما فيها من حيوية الشارع المصرى وحركة الناس والسوق . تشير al-Harithy الى هذه العلاقة باعتبارها العامل الاكثر فاعلية فى تشكيل الواجهات فى مدينة المماليك كجزء من النسيج الحضرى . ينظر الى هذه الواجهات كجزء من العلاقات التشكيلية المركبة التى تنشأ فى المحيط الحضرى بين واجهات المبانى والحيزات الحضرية التى تتكون من الشارع او الفسحات بين ضفتى هذه المبانى والتى يمكن ان نسميها المشهد الحضرى .
" تعد واجهة مجــمع السلطان قلاوون  (1285-1284) نموذجا من هذا النوع من الواجهات التى تشكل اندماجا فى النسيج الحضرى والتى تنشىء حوارا تشـــكيليا مع الجوار الحضرى . واجــهة مجمــع قلاوون هى جزء من امتداد تشــكيلى واســــتمرار بصري لمدرســة الملك الصالح نجم الدين (1244-1242) ومدرسـة الظاهر بيبرس فى الجانب الآخر من الشارع ، والتى يوحدها تشابه تعبيرات الواجهة فى المبانى الثلاثة ويجعلها وحدة تشكيلية متجانسة ."    

تقارن al-Harithy بين الواجــهات ذات الحركة الديناميكية فى عمارة الممــاليك وبين الواجهات الســاكنة والتى يغلب عليها التمــاثل المحورى فى عمارة الفاطميين . فى المقابل حلت واجهات الشارع ذات الاستمرارية والتشكيل المتحرر من قيود التماثل المحورى فى عصر المماليك محل الواجهة التقليدية المستقلة ذات الابعاد التذكارية فى عمارة الفـــاطميين . افضل نموذج يمثل القمة فى واجهات الممـاليك نجده فى واجهة محـمع السـلطان قلاوون ، واستــمرارها من بعد فى مدرســـة النـاصر نحمد (1295-1304) ثم فى مسجد السلطان برقوق (1384-1986) .

النوع الثانى من الحيزات التى تتحدث عنه al-Harithy فى هذا المقــال هو الممر الداخـلى ومهمته، الى جانب الربط بين الاجزاء ، ان يعمل كأداة من ادوات التعبير . تنتقل الحركة فى عمـــارة الممــاليك من الحيز العام فى الشــارع الى الحيز الخاص فى الداخل عبر تسلسل من الحـيزات الداخلية تسميها  al-Harithy " الحيزات الانتقالية " بدء من المدخل مرورا بالردهة ثم الممر الداخلى . اضافة الى ربط الداخل بالخارج استخدمت الحيزات الانتقالية ايضا لربط الاجزاء الداخلية وتوحيدها .
"بسبب ازدياد الاهتمام بالعلاقات المتبادلة بين الحيزات الداخلية المعمارية و الخارجية الحضرية ، تتطلب تشكيل الحيزات الانتقالية عناية خاصة . اضافة الى وظيفتها الاساسية فى ربط اجزاء المبنى صارت الحيزات الانتقالية هى العنصر الاول المسئول ليس فقط عن التحكم فى ديناميكية الحركة بين الداخل والخارج بل مسئول ايضا عن توازن العلاقات الوظيفية المتداخلة بينهما وتوفير الخصوصية المطلوبة لبعض اجزاء المبنى بالداخل ."

كان اسلوب الدخول المتدرج عبر تسلسل من الحيزات الوسيطة التى تنقل الحركة من الشارع العام  عبر الفناء الداخلى الى حرم الصلاة ، تقليدا اشتهرت به العمارة الاسلامية منذ العصور المبكرة مثل الجامع الاموى فى دمشق والجامع الازهر فى القاهرة . ولكن نسبة لطبيعة المخطط من طراز الايوانات والفناء الداخلى وتعدد المكونات متعددة الاغراض فى عمارة المماليك ، لم يعد المدخل  المباشر فى مركز الواجهة الذى ساد من قبل ممكنا ولا عمليا . كان ضروريا ان يكون المدخل فى مجمعات المماليك موحدا ثم تنتقل الحركة عبر الردهة انتقالا متدرجا ينظم الدخول ويبعد ضوضاء الشارع ويوفر العبور نحو الخصوصية . تعمل الردهة كحيز وسيط بن العام فى الشارع والخاص بالداخل مهمتها ان تضبط الايقاع المتدرج نحو العمق عبر الممر  الذى يربط مكونات المبنى مثل مجمع قلاوون ، او عبر دهليز طويل يمتد عمقا كما فى خانقة السلطان بيبرس او مدرسة السلطان حسن حسب درجة الخصوصية التى تتطلبها وظائف المبنى .

فى خانقة بيبرس يتم عبور الحــيز الانتــقالى بمراحل متدرجة بدء من الحيز الحضرى فى الشــارع . تصف  al-Harithyالحيز الحضرى امام خانقة السلطان بيبرس الجاشنكير بأنه جيب حضرى تكون نتيجة لبروز الضريح فى حيز الشارع وانه يشكل جزء من الحيز الانتقالى  . هنا يبدأ الحيز الانتقالى حقيقة فى الحيز الحضرى خارج المبنى ويمر بمراحـل متدرجة داخل المبنى الى ان يصل الى الفناء الداخلى . يمر الحيز الانتقالى بمراحل متدرجة بدء من الجيب الحضرى ، عبر بالمدخل الذى يؤدى الى الردهة وهى غرفة صغيرة تعمل كنقطة توصيل يتفرع منها دهليزين غير مباشرين : يتجه الاول شمالا الى ردهة الضريح والتى تؤدى الى مدخل الضريح فى محور القبلة . اما الدهليز الآخر فيتجه جنوبا ليفتح فى فناء المدرسة .  
"فى خانقة بيبرس يقع الضريح فى مقدمة المبنى ولكن الردهة امام الضريح فقط هى التى لها صلة مباشرة بالشارع . تعمل الردهة ، كما كان سائدا فى تلك الفترة ، على توجيه الحركة فى اتجاه الباب المقابل  للقبلة على المحور العمودى عليها . اما الخانقة التى هى مؤسسة خاصة وليست للعمامة كان مناســبا ان اتخذت موقعها فى عمق المبنى محتفظة بخصوصيتها وبعدها عن الشارع . "

Friday, 9 September 2011

The Pond

العمــارة الحديثة الاقليــمية فى الخرطوم بين المعـــاصرة والارث الحضـــارى

لم يعد الحديث عن اثر العولمة على الهوية المعمارية مطروحا الآن بقوة كما كان فى العقد الاول من القرن . ربما يرجع السبب فى ذلك الى انتشار العمارة الاقليمية - الوسطية : التى تقوم على ارضية مشتركة من التقاليد والتجديد ، ليس فى مدن العالم الثالث فقط بل والكثير من مدن العالم .

تقدم هذه الرسالة رؤية جديدة لورقة سبق ان قدمتها فى مؤتمر علمى قبل سنوات عن العمارة الحديثة فى الخرطوم . السبب فى اعادة كتابة الورقة هو ما تأكد لنا بالملاحظة الشخصية من ان العمارة الحديثة الاقليمية لم تعد محصورة فى دول العالم الثالث فقط كما كان فى النصف الثانى من القرن العشرين ، بل صارت تمثل توجها عالميا امتد فى كثير من المناطق وخصوصا فى الشرق الاوسط ودول البحر المتوسط . لذلك يمكن القول ان العـمارة الحديثة الاقليمية فى الخرطوم و الكثير من المدن فى العالم الثالث ، لم تعد حركة معزولة بل اصبحت تشكل جزء من حركة التجديد العالمية المعاصرة ، وربما كان لها تأثير على حركة العمارة ما بعد الحديثة فى الدول الغربية .

___________________________

تركز مقدمة الورقة على توضيح بعض خصائص السودانيين التى تتمثل فى انهم قوم  يميلون الى سرعة استيعاب الحداثة  ، وانهم  فى ذات الوقت حريصون كل الحرص على الهوية ومولعون بممارسة انماط الثقافة التقليدية فى حياتهم الخاصة والاجتماعية . تنتقل الورقة بعد ذلك الى توضيح اثر هذه  الخصائص التى تتميز  بقبول التحديث بقوة وتتمسك بالارث الثقافى بقوة ايضا على العمارة الاقليمية فى الخرطوم .

الغرض من هذه الدراسة هو التوثيق لحركة العمارة الاقليمية فى الخرطوم . الملاحظ ان العمارة الاقليمية التى تقوم اساسا على ارضية مشتركة من الارث الحضارى والمعاصرة تتبنى فلسفة تصميم تبدو الاكثر ملاءمة للاستجابة  لارث التقاليد ومفاهيم العصر . تعتمد الدراسة منهجية البحث الميدانى وتقوم بتحليل بعض نماذج من العمارة الاقليمية بالخرطوم لتحديد الى اى مدى نجح التصميم فى التوازن بين الاستجابة لمتتطلبات التقاليد والتعبير عن مفاهيم العصر .

__________________________

تعرض الورقة بعض النماذج التى توضح تطور العمارة الحديثة الاقليمية فى الخرطوم فى خلال الاربعة عقود الماضية . تشترك نماذج الدراسة فى الوعى باهمية المعالجة البيئية ووضعها على قائمة الاولويات فى برنامج التصور المعمارى design concept  ، و تتميز بمعالجات بيئية مبتكرة الى جانب استخدام المعالجات البيئية التقليدية .

تستخدم جميع النماذج المعروضة من المعالجات البيئية التقليدية ما هو معروف مثل الفناء الدخلى كمستودع للهواء البارد ؛ الجدران السميكة والمزدوجة للعزل الحرارى ؛ تظليل الواجهات والمساحات المحيطة بالمبنى للحماية من الاشعاع الحرارى المباشر ؛ العناية بالمساحات الخضراء وتقليل المساحات الزجاجية فى النوافذ..الخ.

تستخدم نماذج الدراسة ، الى جانب المعالجات البيئية التقليدية ، حزمة من المـعالجات غير التقليدية . اهم المعالجات المبتكرة هى استخدام نظام خليط يجمع التبريد الصناعى والتبريد الطبيعى . تشترك جميع نماذج الدراسة فى ازدياد الوعى بضرورة استخدام نظام خليط يجمع التبريد الصناعى والتبريد الطبيعى الذى يوظف الحلول المعمارية التقليدية التى ورد بعضها فى المعالجات التقليدية من قبل . اهم مزايا هذا النظام انه يقلل استهلاك الطاقة ، ويزيد كفاءة  التبريد )درجة التبريد مقابل استهلاك الوقود( ، ويجعل المبنى رفيقا بالبيئة بصورة افضل .


 
Heritage and Regional Modern Architecture in Khartoum

Introduction

Khartoum, the Capital city of Sudan, was founded under the colonial rule in the early twentieth century as a pre-planed modern city. Since its foundation, western modernization was introduced in Khartoum by the British colonial administration and the Egyptian presence; as well as the other foreign communities residing in Sudan such as the Greeks, Italians, Syrians and Armenians. Before independence all aspects of modern public life, including professions, education, public service etc. were largely shaped by foreign presence and the dominant European culture. Although, this picture has changed totally after independence, and everything was shifted to Sudanese hands a strong feeling of the influences of globalization persisted.

Despite the influences of westernization and later globalization, assimilation of modernity and foreign cultures has been the norm in Khartoum. It is remarkable to note that people are open to modernity, while Sudanese culture is strongly maintained and tradition is widely observed. The reason for this in my opinion is because Khartoum population is a mixture of different ethnic groups that come from all parts of Sudan, when they migrated to Khartoum they brought along their provincial cultures. Although, Khartoum acts as a melting pot of the distinct cultures of the Sudan, each cultural group preserves the special characteristics of their own localities.

In Khartoum while public life is predominantly modern, private life on the other hand is a combination of modernity and traditionality. People reconcile the contradictions between the local and the global and manage to express identity through maintaining balance between modernity and traditions. As a result there is no conflict between the two streams: indigenous cultures and modern coexisted in a harmonious blend. These characteristics have surely had an impact on architects, and the rise of modern regionalism must not be seen in isolation.

Although the regionalists adhere to global architectural norms, it is observed that their work is rooted in cultural heritage. This paper argues that regionalist modern  in Khartoum is the concluding statement of many years of search by regionalists for how to satisfy the demands of modern living standards, and to respond at the same time to the needs generated by tradition.                                                                      
                            
________________________

The influence of globalization on identity doesn't at present generate controversy as did during the first decade of the millennium. The reason is partly because globalization has become an accepted phenomenon so widely distributed throughout the globe. It has even been suggested that globalization is sometimes desirable on the assumption that it generates a process which takes place through a two-way mechanism which makes it possible for communities to contribute in world global culture. The reconciliation with globalization has recently paved the way for the emergence of regionalism as an intermediate category between heritage and modernity. In a similar way Post-Modern appeared in the western countries which, as Charles Jenks describes it, is a double coded combination of modern and other language of expression such as traditional architecture. Regionalism, however, can be seen as more advanced form of post-modernism, its role is not confined only to preserving heritage but also as a mediating agent that values the experiences of the past and transmitting them to the future generations.
   
________________________


Theorists differentiate between 'regionalism' as a tradition which came mainly as a reaction against westernization and a more liberal regionalism which accepts globalization and modernity. The reaction against westernization after independence has lead in many developing countries to the emergence of the ‘regionalist approach’. Traditional regionalist response would focus on expressing local identity through the revival of elements of traditional architecture. Non-conventional regionalism on the other hand seeks to introduce a new synthesis that is rooted in heritage and at the same time modern.


Architecture in Khartoum has never been fully documented. Apart from few scattered efforts, there is no comprehensive documentation of modern architecture in general. This paper is intended as one of the first early initiatives in this respect. The study methodology relies on fieldwork examination of selected examples that represent modern regionalism in Khartoum. The aim of the analysis is to establish the extent as to which regionalists in Khartoum were able to respond to modernity without disjointing from traditions.
_______________________


The earliest example is the Kuwaiti Embassy building in Khartoum (1977) designed by Technical Studies Bureau (TEST) Khartoum (Fig.:1).

Fig. (1) north façade of the Kuwaiti building, Khartoum

To achieve its environmental goals the architects go for inward planning option with a conventional courtyard (Fig.:2). The plan is a simple setting-up with a central courtyard that is surrounded by rooms arranged on two floors.  Rooms are reached directly from the courtyard at ground floor level, and from an access balcony at first floor. The courtyard, however, is not open to sky as would have been expected, but covered with transparent synthetic roofing that meant to allow sun light and to keep out dust common in Khartoum. Roofing the courtyard no doubt restricts natural air circulation through the courtyard and the surrounding rooms, thus defeating the whole idea of using natural means of cooling.

                                                                              Fig. (2)  courtyard view in the embassy building

Fig. (3) office glass walls behind screening arcades

The design is intriguing in that its form is inspired by local heritage, and in the same time it is a modern building with aluminium and glass facades behind screen walls. Façades are protected against direct sun radiation by unroofed arcade surrounding the building on all sides. The object of screening is not only shading glass walls, but also allowing cool air movement coming across the surrounding green landscape to rise up against the glass walls pushing the accumulating  hot air upwards to escape from the opened top and cooling glass surface (Fig.: 3,4).


                                                                              Fig. (4) screen walls shading glass facades


Friday, 19 August 2011

عيد ميلادى 71

اليوم 19 اغسطس عيد ميلادى 71 . يوم 22/8 اتوجه بأذن الله الى مكة المكرمة للأداء عمرة رمضان وبعدها قضاء بعض من العشرة الاواخر  واصلى صلاة العيد فى رحاب مسجد رسول الله بالمدينة . سوف تتوقف المدونة ثلاثة اسابيع على امل اللقاء من جديد فى الجمعة 9/9 ان شاء الرحمن .
مساء امس احتفلت بمناسبة عيد ميلادى 71 مع بناتى وابنائى فى دارنا بالخرطوم المعروفة باسم ال Pond . وقد اطلقت عليها هذا الاسم لانها واحتى التى لا استطيع العيش خارجها طويلا حتى ان كنت خارج السودان . يتطلب الطقس الحار فى الخرطوم عناية خاصة بتصميم المسكن ، ولا اطننا قد حققنا نجاحا كبيرا فى هذا الشان خصوصا فى هذا الوقت الذى يعتمدون فيه اكثر على الوسائط الآلية . مع ذلك فان الخرطوم تتمتع بثراء نباتى متميز واهتمام ملحوظ بالحدائق المنزلية للزينة وقليلا للتصالح مع عدوان الطقس .
ال Pond من هذا النوع الذى اعتبره محاولة لابداع عمارة محلية حديثة ( الصورة ) . فى الخرطوم نماذج متطورة فى هذا الاتجاه ، ولكن قليلة . العمارة المحلية الحديث فى الخرطوم تمزج بين العمارة الحديثة وتأثيرات من روح العمارة التقليدية وتعبيرات العمارة الخضراء التى تعتمد الوسائل الطبيعية . ربما اعرض بعض النماذج من العمارة الخضراء فى الخرطوم فى مدونات لاحقة بعد 9/9 .



Friday, 12 August 2011

قـــــــــــــــــراءات

تشكيل الحــيز المعــمارى فى عصر المــماليك: التعبير ودلالته


Howayda al-Harithy, 2001. The Concept of Space in Mamluk Architecture. Moqarnas Vol. XVIII. http://ArchNet.org/library.
نشأت المجمعات الحضرية فى عصر المماليك على برنامج دينى اجتماعى يتركز حول العلاقات الجماهيرية وله اهداف ثقافية واجتماعية وسياسية يعكسها التصور المعمارى . اضافة الى وظائفه الدينية والتعليمية صار للمبنى رسالة بصرية تعكس مضمون التصور المعمارى ويعبر عنها الشكل المعـــــــمارى . من افضل ما قرأت فى تفسير دلالة الحــيز الحضرى فى عمارة المماليك ما كتبته  Howayda al-Harithy فى مقال لها بعنوان:
''The Concept of Space in Mamluk Architecture''
 

هناك مجموهة من العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية تكون فى مجموعها التصور المعمارى الذى يمثله الشكل المعمارى بمعناه العريض الذى يشمل البـــناء التشكيلى كله بما فيه الحيزات المعــــمارية والحيزات الحضرية فى المحيط المــــباشر . يتطلب فهم دلالة ما تمثله الحيزات المعمارية ايجاد علاقة بين شكل الحيزات ، واسلوب تجميعها وحركة المناشط فيها . تعتمد هذه العلاقة على دراسة اثر العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية الدافعة لابتكار تلك الحيزات ، والمحددة لشكلها واسلوب تجميعها ، والمحركة للمناشط فيها . يتعرض مقال  al-Harithy بالتحليل لاثر هذه العوامل على شكل الحيزات واسلوب تجميعها واتجاهات الحركة فيها ، وتستعين بذلك على توضيح اسلوب الحيزات المعمارية والحضرية فى التعبير عن فلسفة التصور المعمارى . كتب المقال باسلوب انسيابى لا يتوقف عند حدود اقسام معينة او عناوين جانبية تعين الدارس على تتبع التحليل بسهولة ، ولكنه فى ذات الوقت اسلوب يشبه السرد القصصى و لا يخلو من المتعة  للقارىء . تقول الكاتبة:
" أن تعددية وظائف المجمع الحضرى وموقع الضريح فى قلب المدينة هما العنصرين الاساسيين فى سيناريو ابداع الحيز المعمارى .  بالنظر الى مواقعها فى قلب المدينة بكل ما فيها من حياة ، ووظائفها المتعددة صارت المجمعات الحضرية ساحات للعلاقات الاجتماعبة المكثفة . فيها يتم الاتصال واللقاء بين مختلف الفئات الاجتماعية من الطلاب والشيوخ والتجار واصحاب الحاجات والنخب من العسكريين المماليك ."

كان من الطبيعى ان يؤدى تدفق العلاقات الاجتماعية فى المجمع الحضرى على هذا النحو الى تولد تيار من الحركة بين المبنى وجواره الحضرى ، فتنشأ بينهما علاقة متبادلة فى اتجاهين: الاول ، نحو الداخل وهو تأثير الحركة فى الشارع على وظائف المبنى داخليا ؛ والثانى ، باتجاه الخارج، وهو تأثير المبنى نفسه على الحيز العام . تبرز اهمية هذه العلاقة المزدوجة فى اثرها على شكل الحيزات الداخلية والخارجية واسلوب تجميعها . ينظر هذا الجزء الى العلاقات الوظيفية وحركة المناشط ويتتبع اثرها فى ربط الحيزات الداخلية والخارجية وفى العلاقة العضوية والبصرية المتداخلة بينهما .
" نتيجة تعدد وظائف المجمع الحضرى صار الحيز المعمارى الداخلى امتدادا للحيز العام فى الشارع ،  بينما يبرز الضريح الى الخارج ويحقق اكبر قدر من الظهور فى الحيز العـام والتفاعل معه . وأدى هذا التفاعل الوظيفى بين المبنى وجواره الحضرى الى توحد الحيزات فيهما فى وحدة تشكيلية واحدة . "
ادى التفاعل الوظيفى بين المبنى وجواره الحضرى ليس الى دمج الحيزات فيهما فى وحدة تشكيلية واحدة فقط ، بل تعدى ذلك ليشمل توحد الواجهات الداخلية والخارجية ايضا . نسبة لطبيعة مواقع المجمع الحضرى فى قلب القاهرة فى العصور الوسطى والقيود التى تفرضها على التصميم كان الخيار المتاح هو اللجوء الى المخطط المفتوح للداخل واستخدام صيغة الفناء فى بناء المجمعات الحضرية . الملاحظ ان المعمارى فى عصر المماليك اتبع تقاليد كانت سائدة فى العصور التى سبقت عصر المماليك فى التعامل مع الواجهات الداخلية . فى الفترات السابقة كان الاهتمام فى المبانى السكنية بالواجهات الداخلية المطلة على الفناء اكثر من الواجهات المطلة على الشارع ، وذلك ضمن استراتيجية فصل الداخل فصلا تاما عن الشارع لدواعى الخصوصية . فى مجمعات المماليك الحضرية كان التوجه نحو التعامل مع الواجهات الداخلية المطلة على الفناء باعتبارها ليس امتدادا للواجهات الحضرية بالخارج فحسب ، بل جزء اساسيا فى البناء التشكيلى للمجمع الحضرى .  

المعروف ان وظائف المبنى هى المحدد الرئيسى للشكل المعمارى .  فى العمارة الاسلامية ليست الوظائف العادية  المتعلقة بالمناشط الاجتماعية مثل التعليم والعبادة وغيرها فقط هى المسئول عن تحديد الشكل المعمارى ، بل ان وظيفة  التعبير عما تمثله الحيزات المعمارية ، التصور المعمارى ، يلعب دورا اساسيافى تحديد شكل تلك الحيزات .
ســـاد فى عصر المماليك اشكالا متـــنوعة من الحيزات مهمتها ، الى جانب الربط بين الاجزاء ، ان تبعث برســـالة بصرية تعبر عن مضــمون التصور المعــمارى . اول هذا النوع من الحــيزات هو  ما تســميه al-Harithy "الجيب الحضرى" وهو عــبارة عن تغير فى مجرى الشارع المحدود يحدث فيه اتساعا يقع بين ضفتى المبانى على جانبى الطريق يواصل الشارع بعدها مساره من جديد . لم يكن الشارع فى المدن الاسلامية فى العصور الوسطى مستقيما بل كان مألوفا ان يعترض مسارة انحناء طارئا يغير اتجاهه وشكله واتساعه . الجيب الحضرى الذى يعترض شارع المعز عندما يمر بموقع مجمع قلاوون مثل ذلك وهو احد وسائط التعبير فى عمارة المماليك ، من اغراضه توجيه الحركة نحو المدخل الرئيسى و تهيئة حيزا مناسبا للتواصل الاجتماعى .
الجيب الحضرى الذى تشكل امام مجمع قلاوون عبارة عن ساحة صغيرة " ...تكتسب خصائصها الحضرية من البناء التشكيلى على ضفتيها ومن تعبير واجهات مجمع قلاوون على جانب من الشارع وواجهة المدرسة الصالحية المقابلة لها على الجانب الآخر ، وتكتسب خصوصيتها من احتوائها بين هذين الصرحين التذكاريين ."
احد وسائط التعبير المتعددة التى ابتكرها المعمارى فى عصر المماليك هو الممر الداخلى الذى يربط الحيزات الداخلية بالخارج وهو ما تســميه al-Harithy الحيز الانتقالى . استخدم المعمارى الحيزات الانتقالية ليس لمجرد ربط الاجزاء الداخلية وتوحيدها ، بل كأداة من ادوات التعبير عن التصور المعمارى .
"بسبب ازدياد الاهتمام بالعلاقات المتبادلة بين الحيزات الداخلية المعمارية و الخارجية الحضرية ، تتطلب تشكيل الحيزات الانتقالية عناية خاصة . اضافة الى وظيفتها الاساسية فى ربط اجزاء المبنى صارت الحيزات الانتقالية هى العنصر الاول المسئول ليس فقط عن التحكم فى ديناميكية الحركة بين الداخل والخارج بل مسئول ايضا عن توازن العلاقات الوظيفية المتداخلة بينهما وتوفير الخصوصية المطلوبة لبعض اجزاء المبنى بالداخل ."

كان اسلوب الدخول المتدرج عبر تسلسل من الحيزات الوسيطة التى تنقل الحركة من الشارع العام  عبر الفناء الداخلى الى حرم الصلاة ، تقليدا اشتهرت به العمارة الاسلامية منذ العصور المبكرة مثل الجامع الاموى فى دمشق والجامع الازهر فى القاهرة . ولكن نسبة لطبيعة المخطط من طراز الايوانات والفناء الداخلى وتعدد المكونات متعددة الاغراض فى عمارة المماليك ، لم يعد المدخل  المباشر فى مركز الواجهة الذى ساد من قبل ممكنا ولا عمليا . كان ضروريا ان يكون المدخل فى مجمعات المماليك موحدا ثم تنتقل الحركة عبر الردهة انتقالا متدرجا ينظم الدخول ويبعد ضوضاء الشارع ويوفر العبور نحو الخصوصية . تعمل الردهة كحيز وسيط بن العام فى الشارع والخاص بالداخل مهمتها ان تضبط الايقاع المتدرج نحو العمق عبر الممر  الذى يربط مكونات المبنى مثل مجمع قلاوون ، او عبر دهليز طويل يمتد عمقا كما فى خانقة السلطان بيبرس او مدرسة السلطان حسن حسب درجة الخصوصية التى تتطلبها وظائف المبنى .

فى خانقة بيبرس يتم عبور الحيز الانتــقالى بمراحل متدرجة بدء من الحيز الحضرى فى الشـــارع . تصف  al-Harithy الحيزالحضرى امــام خانقة الســلطان بيبرس الجاشــنكير بأنه جيب حضرى تكون نتيجة لبروز الضريح فى حيز الشارع وانه يشكل جزء من الحيز الانتقالى  . هنا يبدأ الحيز الانتقالى حقيقة فى الحيز الحضرى خارج المبنى ويمر بمراحـل متدرجة داخل المبنى الى ان يصل الى الفناء الداخلى . يمر الحيز الانتقالى بمراحل متدرجة بدء من الجيب الحضرى ، عبر بالمدخل الذى يؤدى الى الردهة وهى غرفة صغيرة تعمل كنقطة توصيل يتفرع منها دهليزين غير مباشرين : يتجه الاول شمالا الى ردهة الضريح والتى تؤدى الى مدخل الضريح فى محور القبلة . اما الدهليز الآخر فيتجه جنوبا ليفتح فى فناء المدرسة .  
"فى خانقة بيبرس يقع الضريح فى مقدمة المبنى ولكن الردهة امام الضريح فقط هى التى لها صلة مباشرة بالشارع . تعمل الردهة ، كما كان سائدا فى تلك الفترة ، على توجيه الحركة فى اتجاه الباب المقابل  للقبلة على المحور العمودى عليها . اما الخانقة فتتخذ موقعها فى عمق المبنى محتفظة بخصوصيتها وبعدها عن الشارع . "



Friday, 5 August 2011

التصور المعمارى واثره على البناء التشكيلى فى عمـــارة الممــاليك
القاهرة 1250- 1517

2/ اثر التصور المعمارى على البنــاء التشكيلى

فى عصر المماليك كان الصرح التذكارى هو التصور المعمارى الاول . كان الهدف الرئيسى من بناء المجمعات الحضرية هو اقامة الصرح التذكارى الذى يهدف الى تخليد ذكرى صاحب الضريح . رغم اهمية المدرسة فى تكوين المجمعات الا ان الضريح هو المكون المحورى ونقطة الارتكاز فى المجمعات الحضرية والدليل على ذلك هو تأكيد المصمم على ابراز الضريح اكثر من المكونات الاخرى وجعله مهيمنا على البناء التشكيلى وعلى العلاقات  الحضرية التى تنشأ من حوله . يؤكد ابراز الضريح الى الامام فى الحيز العام متقدما عن مستوى الواجهة اسبقية الضريح على باقى المكونات فى المجمع الحضرى .
ادرك  المعمارى البعد السياسى للضريح ،  وادرك ان للضريح بعدا آخر لا يقل اهمية وهو البعد التشكيلى الذى يمكن ان يدعم البعد السياسى ويعبر عن التصور المعمارى . يستخدم المعمارى  الابداع التشكيلى فى توصيل رسالة بصرية ذات مضمون سياسى لذلك لجأ الى دعم قدرة الضريح ، كرمز للسلطة والنفوذ ، على التعبير المعمارى وتعظيم الرسالة التى يبعثها . اتبع المعمارى فى ذلك اساليب متنوعة تراوحت بين ابراز قبة الضريح بوضعها فى موقع بارز على الشارع ؛ و بجعلها اكثر ارتفاعا بزيادة ارتفاع الرقبة باستخدام الحنيات الركنية المدرجة من اجل افضل رؤية ممكنة فى بيئة حضرية شديدة التكدس .

______________________






المسقط الافقى للمدرسة الصالحية
المصدر:   http://archnet.org/


تمثل فكرة ابراز الضريح نحو الخارج بهدف تحقيق اكبر قدر من الظهور واكبر قدر من التأثير على الحيز العام رؤية جديدة فى البناء التشكيلى تحققت لاول مرة فى ضريح الملك الصالح نجم الدين الملحق بمدرسة الصالحية وهو اول ضريح فى قلب المدينة . بنى الملك الصالح ايوب ، آخر سلاطين الدولة الايوبية ، اول مدرسة تبنى فى القاهرة للمذاهب السنية الاربعة .
اقيمت المدرسة الصالحية   1242- 1244  على جزء من موقع قصر الحكام الفاطميين فى قلب المدينة الفاطمية فى القاهرة المعروف باسم بين القصرين وهو الحى الذى شيد فيه روائع عمارة المماليك الجراكسة . يقع المدخل الرئيسى على الشارع فى مركز الواجهة الشمالية الغربية ويؤدى الى الممر الذى يربط جناحى المدرسة على يمين ويسار الممر . وضع المصمم المئذنة فوق البوابة الرئيسية لتأكيد المدخل ولخلق علاقة تشكيلية بين  العنصر الرأسى وهو المئذنة والامتداد الافقى للواجهة على يمين ويسار المدخل ولخلق نوع من التوازن مع قبة الضريح .
تمثل المدرسة الصالحية نقطة تحول رئيسة ليس فقط على صعيد التصميم المعمارى الوظيفى فى بناء المدرسة بل و البناء التشكيلى ايضا . فهى تعد تطورا اساسيا على ما سبقها ونموذجا لما  لحق فى تصميم المجمعات الحضرية فى عصر المماليك .
يمثل الضريح قمة  الابداع التشكيلى فى المدرسة الصالحية . يقع الضريح فى الركن الشمالى للمدرسة وهو عبارة عن مبنى مربع يبرز من الواجهة الشمالية الغربية وفوقه قبة مرفوعة على رقبة مثمنة .  يبرز الضريح الى الامام فى فضاء الشارع بهدف اضافة بعدا منظوريا يتوافق مع اهمية الاشارة السياسية التى يبعث بها الى الخارج . رغم ان الضريح لم يكن اصلا موجودا فى المبنى الا ان اضافته لاحقالم يخل بالتوازن فى الواجهة بل اضـاف لها بعدا تشكيليا منظوريا . حرص المعمارى على تقوية قدرة البناء التشكيلى على توصـيل تلك الرسالة بطرق متعددة مستخدما اهم ما لديه من المفردات المعمارية وابرازها فى تشكيل موحد يجمع المئذنة والبوابة الرئيسية وقبة الضريح فى تشكيل متناسق مع الواجهة يهيمن على المنظر الحضرى ويضبط الايقاع فى الفضاء العام من حولها .

_____________________________
 
فى الصالحية كان ابراز الضريح نحو الخارج فى حيز الشارع هو الوسيلة لتحقيق اكبر ظهور واقوى تأثير فى الجوار الحضرى  . فى مجمع السلطان قلاوون   1284- 1285 ايضا يركز المعمارى على اضفاء بعدا منظوريا على واجهة المبنى ولكنه يريد ابراز كل من المدرسة والضريح كجزء مستقل بذاته .
فى عمارة المماليك لم تكن الواجهة مجرد مسطحات لا عمق فيها بل كانت تعبيرات الواجهة من اهم  الاساليب التى استخدمها المعمارى فى ابداع البناء التشكيلى .  الواجهة فى مجمع قلاوون ليست مجرد غلاف للمساحات الداخلية فحسب ، بل هى جزء لا يتجزء من البناء التشكيلى الذى يتكون من جزئين هما المدرسة والضريح و يربط بينهما الممر الاوسط  الذى يوصل الى داخل الموقع حيث يوجد الجزء الثالث من المبنى وهو الماريستان . الممر هنا ليس مجرد اداة وصل الى الداخل وربط بين مكونات المبنى . بل اراد المصمم  ان يكون الممر امتدادا للطريق العام واستمرارا للواجهة الامامية الى الداخل ايضا ، وان تكون رؤية الواجهات الجانبية الطويلة للمدرسة والضريح من داخل الممر مكملة للصورة ثلاثية الابعاد التى اراد ان يرسمها لكل منهما .



المسقط الافقى لمبنى مجمع السلطان قلاوون
المصدر:  http://archnet.org/

نشأت المجمعات الحضرية فى عصر المماليك على برنامج دينى اجتماعى يتركز حول العلاقات الجــماهيرية وله اهداف سياســية واجتماعية كان على المعمارى ان يستجيب لها . صار للمبنى رسالة سياسـية لا يعبر عنها البناء التشكيلى فقط بل صار للحيز الحضرى ايضا دلالته ومقـاصده . تسـتعين Howydah al-Harithy ( 2001) فى '' '' The Concept of Space in Mamluk  Architecture
بتحليل العلاقات الوظيفية التى تنبعث فى الحيزات الحضرية فى مجمع قلاوون وما حوله ، فى تفسير معنى تلك الحيزات ودلالاتها . كتبت تقول :
" أن تعددية وظائف المجمع الحضرى وموقع الضريح فى قلب المدينة هما العنصرين الاساسيين فى سيناريو ابداع الحيز الحضرى .  بالنظر الى مواقعها فى قلب المدينة بكل ما فيها من حياة ووظائفها المتعددة صارت المجمعات الحضرية ساحات للعلاقات الاجتماعبة المكثفة . فيها يتم الاتصال واللقاء بين مختلف الفئات الاجتماعية من الطلاب والشيوخ والتجار واصحاب الحاجات والنخب من العسكريين المماليك .
بينما يبرز الضريح فى المجمعات الحضرية الى الخارج ليحقق اكبر قدر من الظهور فى الحيز العام ، جعلتها طبيعة تعدد وظائفها امتدادا للحيز العام فى الشارع . تشكل هذه العلاقة بين وظائف المجمع المتعددة فى الداخل ورسالته البصرية الموجهة للخارج ، قاعدة علاقة متبادلة يعتمد فيها المبنى وجواره الحضرى المباشر كل منهما على الآخر ."
 Howayda al-Harithy, 2001

النموذج الآخر الذى سار على خط الصالحية كان هو خانقة السللطان بيبرس الجاشنكير والذى يبرز فيه بهو المدخل امام الضريح وتكررت بنفس الصورة مرة اخرى فى مدرسة الامير سارغاتميش . بنيت خانقة بيبرس الجاشنكير (1310-1306) على الجانب الشرقى من شارع المعز لدين الله ثم اضيف الضريح لاحقا ، مثل ضريح مدرسة الملك الصالح ايوب ، بعد بناء الخانقة ، وكان طبيعيا فى الحالتين ان يحتل الضريح الجزء الامامى المطل على الشارع وان يكون ايوان الصلاة فى الطرف الخلفى من الموقع وفقا لاتجاه القبلة . مع ذلك يختلف ضريح بيبرس عن ضريح الصالحية الذى يشكل جزء مضافا الى مبنى المدرسة وله واجهة مستقلة .فى المقابل نجد ضريح بيرس عبارة عن جزء من مبنى الخانقة وواجهته ليست مطلة على الشارع مباشرة بخلاف جميع الاضرحة المملوكية فى القاهرة ، بل تتقدمه ردهة بارزة فى حيز الشارع تسمح بتعديل الواجهة لتتطابق مع خط الشارع مع الاحتفاظ بتوجه المساحات الداخلية نحو القبلة حسب التقاليد المرعية فى بناء الاضرحة المملوكية  . مهمة هذه الردهة هو توجيه الدخول الى الضريح من الاتجاه العمودى على المحراب كما فى ضريح قلاوون .

المسقط الافقى لخانقة السلطان بيبرس الجاشنكير
المصدر:  http://web.mit.edu/

فى مدرسة الامير سارغاتميش (1356) وضع الضريح فى الركن الغربى من المبنى . تتوسط الضريح قاعة مربعة الشكل تعلوها قبة ذات رقبة طويلة تشبه قباب سمرقند وضع المدفن تحتها . لا تطل قاعة المدفن على الشارع مباشرة بل يتقدمها رواق بارز الى الامام ويطل على الشارع عبر خمسة نوافذ . توصف اطلالة ضريح سارغاتميس عبر مقدمتة البارزة بانه احد اكثر معالم هذه المدرسة تميزا  . يشبه هذا الاسلوب الذى اتبع فى معالجة ضريح بيــبرس الجاشنكير عبر مقدمة بارزة ايضا ، والذى يمكن تفسيره فى الحالتين بالرغبة فى ايجاد اقوى علاقة تشكيلية ممكنة بين الضريح والمبنى والشارع لدعم الدلالة الرمزية الاجتماعية والتاريخية للصرح التذكارى .

المسقط الافقى لمدرسة الامير سارغاتميش
المصدر: http://web.mit.edu/

____________________________